في منزل بمدينة كولومب غربي باريس ، انقطع مساء الاثنين خيط من أبرز خيوط الامتداد الفرنسي لقضية إبستين ، فقد عُثر على دانيال سياد، مكتشف عارضات الأزياء البالغ 69 عاما، ميتا قبل أن تستمع إليه السلطات القضائية بشأن شكاوى تتهمه بالاغتصاب والاتجار بالبشر، أو تسأله بالتفصيل عن طبيعة علاقته بالممول الأمريكي المدان بجرائم جنسية.

وقالت نيابة نانتير إن “تحقيقا لتحديد أسباب الوفاة فُتح مساء الاثنين” عقب العثور على جثته داخل منزله، وإن تشريحا سيُجرى ضمن التحقيق الذي تتولاه الشرطة القضائية في إقليم أو-دو-سين (حيث تقع مدينة كولومب).

ورجحت صحيفة “لو باريزيان” وفاته إثر أزمة قلبية، وكذلك قالت محاميته مينيا عرب تيغرين لرويترز إنه مات بأزمة قلبية، لكن تحديد السبب رسميا يبقى رهنا بنتيجة التشريح.

دانيال سياد المصدر: المصدر: شبكة «بي إف إم» الفرنسية.
دانيال سياد الذي عُثر عليه ميتا في منزله قرب باريس (شبكة بي إف إم الفرنسية)

رجل من كواليس الموضة

لم يكن دانيال سياد معروفا خارج قطاع الأزياء، لكنه عمل لعقود في اكتشاف العارضات، وهي مهنة تقوم على البحث عن وجوه جديدة في الشوارع والمدن وربطها بالوكالات. وقال لإذاعة “آر تي إل” (RTL) إنه مارس هذا العمل نحو 30 عاما.

وكان سياد يقدم نفسه بأنه “مولود في فرنسا ومواطن سويدي”، في حين عرفت به الغارديان بأنه فرنسي المولد من أصل جزائري ويحمل الجنسية السويدية.

ولم يكن نشاطه معزولا عن الأسماء البارزة في هذا القطاع؛ فقد عمل بالعمولة مع جان لوك برونيل، وكيل العارضات المقرب من إبستين، كما عمل مع جيرالد ماري، المدير الأوروبي السابق لوكالة “إيليت”.

وتكتسب هذه العلاقات أهميتها من أن عالم الأزياء كان إحدى القنوات التي استخدمها إبستين للوصول إلى شابات وفتيات.

ومع رفع السرية عن ملفاته، لم يظهر سياد بوصفه مكتشف عارضات فحسب، بل طرفا في مراسلات متكررة عن أعمار نساء وفتيات وصورهن، ولقاءات كان يسعى إلى ترتيبها مع إبستين.

وهكذا تحول السؤال حول سياد من طبيعة مهنته إلى حقيقة الدور الذي أداه داخل شبكة إبستين، وهو سؤال سيبقى بلا حسم قضائي بعدما مات سياد قبل استجوابه.

جيرالد ماري، المدير الأوروبي السابق لوكالة "إيليت"، والذي واجه اتهامات بالاغتصاب من عارضات سابقات ضمن التحقيقات
جيرالد ماري، المدير الأوروبي السابق لوكالة “إيليت”، والذي واجه اتهامات بالاغتصاب من عارضات سابقات ضمن التحقيقات (رويترز)

“صائد العارضات”

لا تكشف ملفات إبستين مجرد صلة عابرة بسياد، بل توثّق تواصلا كثيفا وممتدا بين الرجلين بشأن نساء وفتيات، لم يبلغ بعضهن الثامنة عشرة.

وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية وصحيفة لوموند أن اسم سياد ورد في أكثر من ألف وثيقة، بينما قالت رويترز إنه ظهر قرابة ألفي مرة.

وبحسب مراسلات نشرتها الغارديان، واصل سياد على مدى نحو عقد إرسال صور ومعلومات إلى إبستين عن أعمار نساء وفتيات وجنسياتهن ومظهرهن، واقتراح لقاءات معهن.

ولم يقتصر نشاطه على مدينة أو بلد واحد، إذ تنقل لهذا الغرض بين فرنسا والسويد وإسبانيا ودول في شرق أوروبا، إضافة إلى كوبا والمغرب.

وفي رسالة عام 2009، أخبر سياد إبستين بأن لديه 45 امرأة لمقابلتهن في سلوفاكيا، وأنه يعتزم البحث في قرى صغيرة في بولندا والمجر والتشيك. كما أظهرت رسائل أخرى حديثه عن فتيات في سن 15 و16 و17 عاما.

وتكشف ردود إبستين طبيعة اهتمامه بهذه الترشيحات؛ إذ كان يسأل سياد: “ماذا عن فتيات جديدات؟” و”هل توجد نساء مثيرات للاهتمام؟”، أو يكتفي بسؤال واحد: “العمر؟”. وفي رسالة أوردتها “سي إن إن”، أرسل سياد صورة امرأة مقترحا أن تعمل عارضة أو مساعدة، فرد إبستين: “كبيرة جدا”.

ووصف سياد بنفسه هذا النشاط في رسالة عام 2014 بلغة الصيد، قائلا: “في هذا العمل أشعر أحيانا كأنني صياد، أحيانا أصطاد بسرعة، وأحيانا لا أجد سمكا”.

علاقة استمرت بعد الإدانة

تكشف الملفات أن العلاقة بين سياد وإبستين لم تقتصر على تبادل الرسائل وترتيب اللقاءات، بل شملت تحويلات مالية. وذكرت “سي إن إن” أن إبستين دفع لسياد عشرات الآلاف من الدولارات، في حين أظهرت رسالة تعود إلى عام 2018 توجيها بتحويل 25 ألف دولار إليه على هيئة قرض لـ5 سنوات.

واللافت أن هذه العلاقة استمرت سنوات بعد إدانة إبستين عام 2008 بجرائم جنسية وخروجه من السجن في العام التالي. فقد واصل سياد إرسال صور نساء وفتيات ومعلومات عن أعمارهن، في وقت كانت فيه إدانة إبستين وسجله الجنائي معروفين.

ودافع سياد عن ذلك بالقول إن الأموال غطت نفقات السفر والعمل، وإن اللقاءات كانت اختبارات مهنية لصالح وكالة “إم سي 2” أو “فيكتوريا سيكريت”. غير أن “سي إن إن” قالت إنها لم تجد دليلا على أن إبستين كان يتولى اختبارات عارضات لصالح “فيكتوريا سيكريت”.

كما قال سياد للشبكة إنه صدق رواية إبستين بأنه دفع ثمن جرائمه، وإنه لم يسمع من النساء اللواتي قدمهن إليه أنهن تعرضن للأذى.

وفي مقابلة مع “آر تي إل”، أصر سياد على أن العلاقة كانت “مهنية بحتة”، وقال إنه لم يقدم إلى إبستين سوى “10 أو 15” امرأة خلال 15 عاما. ثم عاد بعد انكشاف حجم جرائم إبستين ليصفه بأنه “وحش” ويقول إنه “استغل ثقته”.

دانيال سياد عمل لعقود في كواليس عالم الأزياء مكتشفا للوجوه الشابة
دانيال سياد عمل لعقود في كواليس عالم الأزياء مكتشفا للوجوه الشابة (وزارة العدل الأمريكية)

خمس شكاوى وروايات عن الاستدراج

كان سياد يخضع في باريس لتحقيق يتولاه المكتب المختص بمكافحة الاتجار بالبشر، بعدما قدمت 5 نساء شكاوى ضده، بعضها يتعلق بالاغتصاب والاتجار بالبشر، وفق إذاعة “آر تي إل”.

وقالت عارضة الأزياء السويدية السابقة إيبا كارلسون إنها تعرفت إليه من صوره في ملفات إبستين، واتهمته باغتصابها عندما كانت في العشرين، ثم تقديمها إلى جيرالد ماري، المدير الأوروبي السابق لوكالة “إيليت”، الذي تتهمه أيضا باغتصابها.

أما العارضة الفرنسية السابقة جولييت، فقالت إن سياد عرض عليها فرصة عمل في الولايات المتحدة عام 2004، قبل أن تجد نفسها أمام إبستين في نيويورك . وتقول إنه أخذ جواز سفرها ومنحها مالا لم تطلبه، ثم لمس جسدها داخل غرفة نوم، وفق روايتها.

ووصفت ما جرى بأنه استدراج يبدأ بوعد مهني، ثم خلق شعور بالاعتماد والدَّين، وصولا إلى اختبار قدرة الشابة على الرفض.

وقالت امرأة عُرفت باسم “مليكة”، وفق ما نقلته الغارديان، إن سياد استدرجها عام 2013 بعرض للعمل في الأزياء، ثم قدمها إلى إبستين في باريس حيث عملت “مدلّكة”، قبل أن يطلب منها البحث عن فتيات أخريات.

ونفى سياد الاتهامات كلها، كما نفت محاميته أنه قدم مليكة إلى إبستين، وظل يقول: “لم أغتصب أحدا في حياتي”.

ماذا ضاع بموته؟

مات سياد قبل أن تستجوبه السلطات أو تضعه رسميا قيد التحقيق، رغم أن الغارديان قالت إن مكتب التحقيقات الفيدرالي تلقى منذ عام 2016 معلومة عن عمله مع إبستين. وفي فبراير/شباط 2026، شكّلت النيابة الفرنسية فريقا لتحليل الوثائق الجديدة والأسماء الفرنسية الواردة فيها، لكن سياد توفي قبل أن يقدم روايته للمحققين.

وأثار ذلك انتقادات لأداء النيابة، إذ وصف محاميا إيبا كارلسون عدم التحرك بحقه بأنه “خطأ جسيم”، بينما قالت جولييت إن “حلقة جديدة من السلسلة اختفت” قبل أن تساعد في كشف الحقيقة وتحديد المسؤولين.

وبوفاته، أصبح سياد ثاني اسم بارز في الحلقة الفرنسية المرتبطة بإبستين يموت قبل حسم الاتهامات قضائيا، بعد جان لوك برونيل الذي عُثر عليه مشنوقا في سجنه عام 2022. أما إبستين فتوفي بسجنه في ظروف غامضة عام 2019 أثناء انتظاره المحاكمة بتهمة الاتجار الجنسي، ثم أعلنت السلطات لاحقا أنه مات منتحرا.

وطالب زعيم اليسار الفرنسي جان لوك ميلانشون بمواصلة التحقيق، مؤكدا أن “الضحايا لهن الحق في الحقيقة كاملة وفي العدالة”.

وحتى صدور نتيجة التشريح، لا تتضمن المصادر المتاحة دليلا يثبت أن سياد قُتل. لكن وفاته أغلقت بابا كان يمكن أن يجيب عن رحلاته، والأموال التي تلقاها، وطبيعة دوره في تقديم النساء إلى إبستين.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *